محمد بن زكريا الرازي

525

الحاوي في الطب

الأولى أنها لم تخف بالعرق ، وتبع أيضا الأرق والاختلاط والعطش . فلما كان الرابع واشتد ما به أكثر وبال بولا أسود أيضا صح منه شيئان : أحدهما أن مرضه يصعب في الأزواج لأنه كان قد صعب في الثاني . والثاني أن موته يكون في الأزواج ، والرابع « 1 » ينذر بالسادس والسابع إلا أنه إذا كانت الحدة شديدة والدلائل مهلكة مال إلى السادس . فلما كان في السادس وجاء به مع أعراض صعبة فمات فيه وحقق أن بحرانه مال إلى السادس بال بوله في الثالث والرابع بولا أسود ، فإن هذا يدل على غاية الخبث والرداءة والحدة لأنه يدل إذا كانت الصعوبة والشدة قويتين متصلتين ، والدليل على الحدة قوي . فلما تبع ذلك أن قطر من منخريه دم يصير أسود في الخامس حقق ضعف قوته ، ولو كانت قوته أقوى وأعراضه الرديئة أخف لقد كان موته يتأخر إلى الثامن ، ونفسه كان الدليل على اختلاط الذهن على ما قيل في « أبيذيميا » ، وعرقه البارد في طول مرضه كان تنقص به قوته ولا ينقص مرضه ، والخف الذي كان يجده في خلال ذلك دليل على أنه ينبغي أن لا تثق بالراحة الحادثة بلا نقص وبحران أو بسبب له كائن ، فإن الشدة تعود في مثلها سريعا . قد ذكر علل ما في هذه القصة غير البول الذي فيه تعلق يشبه المني وكان ما فيه موافقا لما في كتاب تقدمة المعرفة والبحران وأيامه ، بقية « أبيذيميا » عند هذه الغب اللازمة . الحسن الجهبذ ، كانت به علة شك في أول أمرها أنها ذات الجنب ، ثم صح ذلك ولم يفصد ، وكان مرضه حادا ونفثه زبدي أبيض ، ورأيته في الحادي عشر وأطرافه مثل الثلج لا تسخن بحيلة ولم تظهر به في ما قبل ذلك حمى ، فإن خبره كان يخشى منذ اليوم التاسع ، بل كان بارد البدن وكانت عيناه جامدتين وأراد الفصد في هذا اليوم ، فلما جسست عرقه رأيته منقبضا قحلا فنهيته عن ذلك ، وكان بزاقه قد تلزج ، وصار كما في « كتاب الأمراض الحادة » ، فحدست أنه يبقى مدة يوم فمات بعد سبع ساعات أو ثمان . أبو الحسن بن عبد ربه ، وكان يصيبه أغلظ ما يكون من الزكام وأشد ما رأيت مثله ، وما هو أقل منه يبقى على من تصيبه السهر والأكثر وينزل إلى صدره حتى ينفث بالسعال فكان يسكن عنه نصف يوم حتى لا يجد منه شيئا البتة ويهيج به وجع المفاصل ، فينبغي أن تعلم أن الأمر على ما ذكر جالينوس أن دفع الفضل ليس إنما يكون من المجاري الغشائية بل باتصال الأعضاء ، وإنما كان يسكن عنه بسرعة ويهيج وجع المفاصل ، لأن الفضل كان ينحدر إلى وركه ومفاصله . كان برجل من الجلة ببغداد وجع الورك ، سقاه الطبيب حب المنتن والشيطرج لبياض ما به وغلظ بدنه وتدبيره ، فازداد وجعه واشتد ما به حتى يتهيأ له أن يستوي بحقنة فزاد شرا ، فاستعانني فقيأته على الامتلاء مرات ، ثم بعد ذلك طليت وركه بالخردل حتى تنفط وخف وجعه ونقص حتى ذهب أكثره ، ثم حقنته بحقنة مسحجة فبرأ .

--> ( 1 ) في نسخة : الربع .